الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
306
تفسير روح البيان
يروح النفس ويثلج به الصدر بالتكذيب الذي هو ضده جوزوا بالحميم والغساق بدل ما يجعل للمؤمنين مما يروحهم من برد الجنة وشرابها وللمناسبة بين الماء والعلم يعبر الماء في الرؤيا بالعلم وقال بعض أهل الحقائق ان جهنم الطبيعة الحيوانية يرصد فيها القوى البشرية وهي خزنة جهنم طبيعة أرباب النفوس الامارة والهوى المتبع للظالمين على نفوسهم بالاهوية والبدع والإباحة والزندقة والاتحاد والحلول والفضول مآبا لابثين فيها أحقابا إلى وقت الانسلاخ عن حكم البشرية والتلبس بملابس الشريعة وخلع الطريقة والحقيقة لا يذوقون فيها برد اليقين برفع الحجاب عن وجه بشريتهم ولا شراب المحبة لأنهما كهم في محبة الدنيا بسبب جهنم الطبيعة الا حميما وغساقا يسيل من صديد طبيعتهم وقال القاشاني الا حميما من اثر الجهل المركب وغساقا من ظلمة هيئات محبة الجواهر الفاسقة والميل إليها جزاء موافقا لما ارتكبوه من الأعمال وقدموه من العقائد والأخلاق وذلك العذاب لفساد العمل والعلم فلم يعلموا صالحا رجاء الجزاء ولم يعلموا علما صالحا فيصدقوا بالآيات إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور وبيان لفساد قوتهم العملية اى كانوا ينكرون الآخرة ولا يخافون ان يحاسبوا بأعمالهم فلذا كانوا يقدمون على جميع المنكرات ولا يرغبون في شئ من الطاعات وفسر الرجاء بالخوف لان الحساب من أصعب الأمور على الإنسان والشيء الصعب لا يقال فيه انه يرجى بل يقال إنه يخاف ويخشى وَكَذَّبُوا بيان لفساد قوتهم النظرية بِآياتِنا الناطقة بذلك وفي بعض التفاسير بآياتنا القولية والفعلية الظاهرة على ألسنة الرسل وأيديهم كِذَّاباً اى تكذيبا مفرطا ولذلك كانوا مصرين على الكفر وفنون المعاصي فعوقبوا بأهول العقاب جزاء وفاقا وفعال من باب فعل شائع فيما بين الفصحاء مطرد مثل كلم كلاما قال صاحب الكشاف وسمعني بعضهم أفسر آية فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله قال بعضهم وأبدل من أحد حرفى تضعيف بعض الأسماء ياء لئلا يلتبس بهذا المصدر المشدد مثل الدينار فان أصله الدنار ومثل السينات في قول عمر بن عبد العزيز لكاتبه فىبسم اللّه طول الباء واظهر السينات ودور الميم فان أصله السنات جمع السن لاجمع السين لأنه ليس في البسملة الا سين واحدة ويجوز ان يقال عبر عن السن بالسين مبالغة كأنه قيل اجعل سنة كسينه في الإظهار كما ذهب اليه الشريف وَكُلَّ شَيْءٍ اى وأحصينا كل شئ من الأشياء التي من جملتها أعمالهم فانتصابه بمضمر يفسره قوله أَحْصَيْناهُ اى حفظناه وضبطناه وذلك اى انتصابه بالاضمار على شريطة التفسير هو الراجح لتقدم جملة فعله ولا يضره كون هذه الجملة معترضة كما سيجيئ أو لان المقصود المهم هنا الاخبار عن الإحصاء لا الاخبار عن كل شئ كِتاباً مصدر مؤكد لاحصيناه من غير لفظه لما ان الإحصاء والكتابة من واد واحد أي يتشار كان في معنى الضبط فكأنه قال وكل شئ أحصيناه إحصاء مساويا في القوة والثبات بالعلم المقيد بالكتابة أو كتبناه كتابا وأثبتناه اثباتا ويجوز ان يكون من الاحتباك حذف فعل الثاني بقرينة الأول ومصدر الأول بقرينة الثاني اى